علي بن محمد البغدادي الماوردي
142
أدب الدنيا والدين
ووجد على قبر مكتوب قهرنا من قهرنا فصرنا للناظرين عبرة . وعلى آخر : من أمّل البقاء وقد رأى مصارعنا فهو مغرور . وقيل في منثور الحكم : ما أكثر من يعرف الحق ولا يطيعه . وقال بعض الحكماء : من لم يمت لم يفت . وقال بعض الصلحاء : لنا من كل ميت عظة بحاله وعبرة بماله . وقال بعض العلماء : من لم يتعظ بموت ولد لم يتعظ بقول أحد . وقال بعض البلغاء : ما نقصت ساعة من أمسك إلّا ببضعة من نفسك فأخذه أبو العتاهية فقال : إن مع الدهر فاعلمنّ غدا * فانظر بما ينقضي مجيء غده ما ارتد طرف امرئ بلذته * إلّا وشيء يموت من جسده ولما مات الإسكندر قال بعض الحكماء : كان الملك أمس أنطق منه اليوم وهو اليوم أوعظ منه أمس فأخذ أبو العتاهية هذا المعنى فقال : كفى حزنا بدفنك ثم أني * نفضت تراب قبرك عن يديا وكانت في حياتك لي عظات * وأنت اليوم أوعظ منك حيا وقال بعض الحكماء : لو كان للخطايا ريح لافتضح الناس ولم يتجالسوا فأخذ هذا المعنى أبو العتاهية فقال : أحسن اللّه بنا أن * الخطايا لا تفوح فإذا المستور منا * بين ثوبيه فضوح وهذا جميعه مأخوذ من قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لو تكاشفتم ما تدافنتم « 1 » . وكتب رجل إلى أبي العتاهية رحمه اللّه : يا أبا إسحاق إني * واثق منك بودّك فأعني بأبي أنت * على عيبي برشدك ( فأجابه بقوله ) أطع اللّه بجهدك * راغبا أو دون جهدك
--> ( 1 ) ما تدافنتم : أي ما تكاتمتم من مساويكم شيئا .